سيد قطب

2173

في ظلال القرآن

الرسل من قبل ، أكانوا رجالا أم كانوا ملائكة أم خلقا آخر . اسألوهم « إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » . أرسلناهم بالبينات وبالكتب ( والزبر الكتب المتفرقة ) « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » سواء منهم السابقون أهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم ، فجاء القرآن ليفصل في هذا الخلاف ، وليبين لهم وجه الحق فيه . . أو المعاصرون الذين جاءهم القرآن والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يبينه لهم ويشرحه بفعله وقوله « وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » في آيات اللّه وآيات القرآن فإنه يدعو دائما إلى التفكر والتدبر ، وإلى يقظة الفكر والشعور . ويختم هذا الدرس الذي بدأه بالإشارة إلى الذين يستكبرون ويمكرون . . ينتهي بلمسة وجدانية بعد لمسة : أولاهما للتخويف من مكر اللّه الذي لا يأمنه أحد في ساعة من ليل أو نهار . والثانية لمشاركة هذا الوجود في عبادة اللّه وتسبيحه . فليس إلا الإنسان هو الذي يستكبر ويمكر . وكل ما حوله يحمد ويسبح . « أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ؟ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ؟ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ ؟ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ . « أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ؟ « وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ ، وَالْمَلائِكَةُ ، وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ، يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ . وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » . . وأعجب العجب في البشر أن يد اللّه تعمل من حولهم ، وتأخذ بعضهم أخذ عزيز مقتدر ، فلا يغني عنهم مكرهم وتدبيرهم ، ولا تدفع عنهم قوتهم وعلمهم ومالهم . . وبعد ذلك يظل الذين يمكرون يمكرون ، ويظل الناجون آمنين لا يتوقعون أن يؤخذوا كما أخذ من قبلهم ومن حولهم ، ولا يخشون أن تمتد إليهم يد اللّه في صحوهم أو في منامهم ، في غفلتهم أو في استيقاظهم والقرآن الكريم يلمس وجدانهم من هذا الجانب ليثير حساسيتهم للخطر المتوقع . الذي لا يغفل عنه إلا الخاسرون : « أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ » ؟ . أو يأخذهم وهم يتقلبون في البلاد ، من بلد إلى بلد للتجارة والسياحة ، « فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ » للّه ، ولا يبعد عليه مكانهم في حل أو ترحال . « أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ » فإن يقظتهم وتوقعهم لا يرد يد اللّه عنهم فهو قادر على أخذهم وهم متأهبون قدرته على أخذهم وهم لا يشعرون ؟ ولكن اللّه رؤوف رحيم . أفأمن الذين مكروا السيئات أن يأخذهم اللّه ؟ فهم لاجون في مكرهم سادرون في غيبهم لا يثوبون ولا يتقون . ذلك والكون من حولهم بنواميسه وظواهره يوحي بالإيمان . ويوحي بالخشوع : « أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ » . . ومشهد الظلال تمتد وتتراجع ، تثبت وتتمايل ، مشهد موح لمن يفتح قلبه ، ويوقظ حسه ، ويتجاوب مع الكون حوله . والسياق القرآني يعبر عن خضوع الأشياء لنواميس اللّه بالسجود - وهو أقصى مظاهر الخضوع - ويوجه إلى حركة الظلال المتفيئة - أي الراجعة بعد امتداد - وهي حركة لطيفة خفية ذات دبيب في المشاعر وئيد عميق . ويرسم المخلوقات داخرة أي خاضعة خاشعة طائعة . ويضم إليها ما في السماوات وما في الأرض من